أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

208

التوحيد

نقول له وباللّه التوفيق : إن عنيت بالقدرة الأسباب التي هي أحوال القدرة التي تعرض لا محالة لولا التضييع من العبد فبلى ، وكل الأنبياء كذلك كانوا ، وكذلك الأخيار ، وإن أردت به القدرة التي هي مع الفعل أحلت السؤال وصرت كمن يقول : هل راقب اللّه أحد في إبقاء المعاصي وهو فاعل لها ، وذلك مما لا معنى له . وهو يعارضك فيقول : هل راقب اللّه نبيّ من الأنبياء في إبقاء معصية علمها منه أو أخبرها عنه ؟ فمهما أجاب في شيء فمثله الأول . ثم يقال : هل تفضل اللّه على أحد من أوليائه بمنع قدرة عداوته ؟ فإن قال : نعم ، نقول : إن اللّه لم يعط أوليائه قدرة معاصيه ، فعليه في أعدائه أيضا أنه لم يعطهم قوة طاعته ، وفي ذلك ما أنكر آنفا . وإن قال : لا ، زعم أنه أعطى أولياءه قوة عداوته . ومن قولهم : إنه لم يعط أعداءه قوة العداوة ، فالآن صار إلى أن أعطى أولياءه قوتها ، وذلك عظيم . ثم يقال : هل أعطى اللّه وليّا قوي على تلك الطاعة حين الطاعة ؟ فإن قال : لا ، فالوحشة في طاعة لم يقو عليها ليست بدونها في اجتناب معصية لم يقو عليها ، بل قوي على ترك المعصية . وعندهم لم يقو على الطاعة ، وهذا أوحش . ثم يقال : هل والى للّه وليّ أو عاداه عدوّ بفعل قوي عليه ؟ فإن قال : نعم ، أقر بالقوة مع الفعل ، وإن قال : لا ، زعم أن العداوة والولاية بما لا يقوى عليه ، وذلك بعيد ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال : من أحمد ؟ من لو قدر على المعصية عصى ، وهو النبي ، أو من قدر على الطاعة أطاعه ، وهو إبليس . قيل : إن عنيت الأسباب فالأول ، وإن عنيت القوة التي معها الفعل أحلت ، ومثله عليك في العلم والخبر . ثم يقال له : من أطوع للّه من لو والاه اللّه أطاعه ، أو من لو عاداه عصاه ؟ فبأي شيء يجيب في ذلك فهو له في الأول جواب ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال آخر : إنه لا عذر للعبد في الشاهد أعظم من أن يقول لو قيل له : لم لا فعلت كذا ؟ فيقول : لأني لا أقدر عليه ، فمثله في الغائب . قيل : هذا يكون عذرا فيما يمنع عنه القدرة ، لا فيما ضيّعها باتا وما منع حدوث القدرة . وكذلك أيضا في الشاهد لا عذر أوسع من أن يقول : لم أعلم أمرك ولا نهيك ولا علمت أن فعلي يغضبك ، فإن لم يكن عذرا مما أعطى ما لو لم يترك طلبه ليبلغه ، فمثله في القوة . وبعد ، فإنه لا عذر على ذلك أيضا أعظم من أن يقول : لأنك أخبرت أني لا أفعل ، وكذلك علمت فقلت : لو فعلت لصيّرتك جاهلا كاذبا ، فلم أفعل لهذا ، وأن يقول أيضا : لي عليك أعظم المنّة ؛ لأنك أقدرتني عليه وجعلت أمر ربوبيتك في يدي وأقدرتني على نقضه ، فلي عليك أعظم المنن ، وعندك أكثر الأيادي ، فمهما أجاب من شيء فذلك أعظم منه جوابا له ، ولا قوة إلّا باللّه .